العلامة المجلسي

147

بحار الأنوار

رهبانيتهم كانت هي ، فيدل على أن الآية مسوقة لمدح الرهبانية لا ذمها ، والآية تحتملهما ، وعلى المدح كانت مندوبة في شريعتهم ، فأوجبوها على أنفسهم بالنذر وشبهه ، كما يفهم من قوله تعالى " ما كتبناها عليهم " قال الطبرسي - ره - : ( 1 ) الرهبانية هي الخصلة من العبادة يظهر فيها معنى الرهبة إما في لبسة ، أو الانفراد عن الجماعة ، أو غير ذلك من الأمور التي يظهر فيها نسك صاحبه ، والمعنى ابتدعوا رهبانية لم نكتبها عليهم . وقيل : إن الرهبانية التي ابتدعوها هي رفض النساء ، واتخاذ الصوامع عن قتادة قال : وتقديره ورهبانية ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها . وقيل : إن الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري والجبال في خبر مرفوع عن النبي صلى الله عليه وآله فما رعاها الذين بعدهم حق رعايتها ، وذلك لتكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وآله عن ابن عباس ، وقيل : إن الرهبانية هي الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة ما كتبناها عليهم أي ما فرضناها عليهم . وقال الزجاج : إن التقدير ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ، وابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر الله به فهذا وجه وقال : وفيها وجه آخر جاء في التفسير ، أنهم كانوا يرون من ملوكهم ما لا يصبرون عليه ، فاتخذوا أسرابا " وصوامع وابتدعوا ذلك فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع ودخلوا فيه ، لزمهم إتمامه ، كما أن الانسان إذا جعل على نفسه صوما " لم يفرض عليه لزمه أن يتمه . قال : وقوله " فما رعوها حق رعايتها " على ضربين أحدهما أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم ، والآخر وهو الأجود أن يكونوا حين بعث النبي صلى الله عليه وآله فلم يؤمنوا به ، كانوا تاركين إطاعة الله ، فما رعوا تلك الرهبانية حق رعايتها ، ودليل ذلك قوله " فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم " يعني الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله " وكثير منهم فاسقون " أي كافرون إنتهى .

--> ( 1 ) مجمع البيان ج 9 ص 243 .